الذهبي

234

سير أعلام النبلاء

قلت : كل لباس أوجد في المرء خيلاء وفخرا فتركه متعين ولو كان من غير ذهب ولا حرير . فإنا نرى الشاب يلبس الفرجية ( 1 ) الصوف بفرو من أثمان أربع مئة درهم ونحوها ، والكبر والخيلاء على مشيته ظاهر ، فإن نصحته ولمته برفق كابر ، وقال : ما في خيلاء ولا فخر . وهذا السيد ابن عمر يخاف ذلك على نفسه . وكذلك ترى الفقيه المترف إذا ليم في تفصيل فرجية تحت كعبيه ، وقيل له : قد قال النبي صلى الله عليه وسلم : " ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار " ، يقول : إنما قال هذا فيمن جر إزاره خيلاء ، وأنا لا أفعل خيلاء . فتراه يكابر ، ويبرئ نفسه الحمقاء ، ويعمد إلى نص مستقل عام ، فيخصه بحديث آخر مستقل بمعنى الخيلاء ، ويترخص بقول الصديق : إنه يا رسول الله يسترخي إزاري ، فقال : " لست يا أبا بكر ممن يفعله خيلاء " فقلنا : أبو بكر رضي الله عنه لم يكن يشد إزاره مسدولا على كعبيه أولا ، بل كان يشده فوق الكعب ، ثم فيما بعد يسترخي . وقد قال عليه السلام : " إزرة المؤمن إلى أنصاب ساقيه ، لا جناح عليه فيما بين ذلك وبين الكعبين " ومثل هذا في النهي لمن فصل سراويل مغطيا لكعابه . ومنه طول الأكمام زائدا ، وتطويل العذبة . وكل هذا من خيلاء كامن في النفوس . وقد يعذر الواحد منهم بالجهل ، والعالم لا عذر له في تركه الانكار على الجهلة . فإن خلع على رئيس خلعة سيراء ( 2 ) من ذهب وحرير وقندس ، يحرمه ما ورد في النهي عن جلود السباع ولبسها ، الشخص يسحبها ويختال فيها ، ويخطر بيده ويغضب ممن لا يهنيه بهذه المحرمات ، ولا سيما إن كانت خلعة وزارة وظلم ونظر مكس ( 3 ) ، أو ولاية شرطة . فليتهيأ للمقت وللعزل والإهانة والضرب ، وفي

--> ( 1 ) الفرجية : ثوب واسع طويل الأكمام ، يتخذ من قطن أو حرير أو صوف . ( 2 ) السيراء : بكسر السين وفتح الياء والمد : نوع من البرود تتخذ من حرير . ( 3 ) المكس : الضريبة التي يأخذها الماكس وهو العشار ، وقد تحرفت في المطبوع إلى " ملبس " .